حبيب الله الهاشمي الخوئي
385
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
إلى أن قال : توسل إلى التخليط في الملَّة التي أتانا به الماضي والمموّه بالسحر وطالب بأحقاد مضت لك مظهرا لعله دين عمّ كلّ بنى النفر فلست تنال الثار الأبد منهم فتقتل بسيف القوم جند بنى عمر فقد تحصّل بما ذكرنا كلَّه أنّ طاعة الرّجل ورياضته وتضييقه على نفسه وتوفيره الفئ والغنايم على غيره لم يكن إلَّا خديعة ومكيدة وإطفاء لنور اللَّه وهدما لأساس الاسلام وإغواء للمسلمين . كالشيطان الذي أراد إضلال عابد بني إسرائيل وإغواءه فتقرّب إليه من جهة البرّ والعبادة لما يئس من ساير العبادات فانطلق إلى منزله فأقام حذاءه يصلَّى وكان العابد ينام والشّيطان لا ينام ، وهو يستريح والشيطان لا يستريح ، فتحوّل إليه العابد وقد تقاصرت إليه نفسه واستصغر عمله ، فقال يا عبد اللَّه بأيّ شيء قويت على هذه الصّلاة ، فلم يجبه ، ثمّ عاد إليه فلم يجبه ، ثم عاد إليه فقال : إنّي أذنبت ذنبا وأنا تائب منه فإذا ذكرت الذّنب قويت عليها ، فاغترّ العابد المسكين بما أتى به من الصّلاة ، فلم يجبه ، ثمّ عاد إليه فلم يجبه ، ثم عاد إليه فقال : إنّي أذنبت ذنبا وأنا تائب منه فإذا ذكرت الذّنب قويت عليها ، فاغترّ العابد المسكين بما أتى به من الصّلاة على أن يأتي بفاحشة ويتوب منها فتوصّل بكثر صلاته إلى إضلاله . وهكذا كان حال الاعرابي الجلف فمثله كما قال اللَّه تعالى * ( ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِالله وبِالْيَوْمِ الآخِرِ وما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ . يُخادِعُونَ الله والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وما يَشْعُرُونَ ) * - إلى قوله - * ( وإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ . الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) * هذا . وقوله ( رحل وتركهم في طرق متشعّبة لا يهتدى فيها الضّال ولا يستيقن المهتدى ) قال الشارح البحراني : إنّ المراد رحيله إلى الآخرة تاركا للناس بعده في طرق متشعّبة من الجهات لا يهتدى فيها من ضلّ عن سبيل اللَّه ، ولا يستيقن المهتدي في سبيل اللَّه انّه على سبيله ، لاختلاف طرق الضّلال وكثرة المخالف له إليها .